موسى مريد : يوم التقيت المرحوم خالد الجامعي

وهاج
2021-06-02T14:39:10+01:00
الرأي
وهاج2 يونيو 2021240 مشاهدةآخر تحديث : منذ 4 أشهر
موسى مريد : يوم التقيت المرحوم خالد الجامعي

وهاج : موسى مريد

محزن حقا رحيل الأستاذ و المناضل الكبير و الصحفي الملتزم الأستاذ خالد الجامعي.. هذا الحزن على رجل مبدئي و صحفي لامع، تقاسمه مع أسرة الفقيد كل المتتبعين و النخب و جمهور عريض من المواطنات و المواطنين، الذين يكنون تقديرا و حبا كبيرا لرجل وطني فذ من طينة نادرة..

لا يمكن أن أقول إني صديق أو تلميذ أو رفيق للسي خالد الجامعي، لكني كنت متتبعا لأخباره و مواقفه منذ منتصف التسعينيات، و على مدار كل هذه السنوات كان المرحوم من النخب القليلة التي عرفت بشجاعتها في مجابهة الاستبداد المخزني، بمقالاته و تصريحاته و مواقفه السياسية الشجاعة، من موقعه كصحفي و مدير جريدة و قيادي حزبي.. أتمنى صادقا أن يتم توثيق مواقفه و مقالاته و أنشطته السياسية من طرف عائلته و أصدقائه و محبيه، تكريما له و إحياء لذكراه و ترسيخا لنموذجه الوطني الصادق لدى الأجيال المقبلة.

لكني هنا أريد أن أحكي عن لقائي الأول و الوحيد مع المرحوم.. حدث ذلك في صيف رمضاني و بالضبط يوم 19يوليوز 2016، و المناسبة كانت ندوة من تنظيم التنسيقية المحلية لمناهضة الفساد بالزمامرة التي كانت تضم طيفا عريضا من الفاعلين السياسيين و الحقوقيين و الجمعويين بالمدينة، و تحملت شخصيا مسؤولية رئاستها..

اقترحت على رفاقي في التنسيقية أن أتكلف بواجب استقبال ضيوفنا ببيتي، و كان من بينهم بالإضافة للفقيد السي خالد كل من الصحفي حميد المهداوي و القاضي المعزول محمد الهيني و الرفيق حميد مجدي.. وصل الضيوف قبل وقت الإفطار بقليل و أخذوا وقتا للراحة قبل تناول وجبة فطور أسطورية تفننت في إعدادها زوجتي, التي كانت غاية في السعادة لاستقبال ضيف من عيار المرحوم خالد الجامعي, و لم تتوقف لحظة عن التقاط الصور التي ضاعت للأسف إثر عطل أصاب الهاتف!

بعد الإفطار كانت لي دردشة مع سي خالد، حدثني فيها عن طرق القمع المخزني ضد الصحفيين في عهد البصري، و حكى لي عن القمع الذي تعرض له شخصيا، ضحك كثيرا وقال لي: كتبت مرة مقالا قويا ضد البصري، و في اليوم الموالي، وجدت شخصا طويلا مفتول العضلات في مصعد الجريدة ينتظرني، فقام بصفعي حتى سقطت، فقلت له لماذا صفعتني؟ فأجابني: هذه هدية ارسلها لك السي ادريس عن مقالك القادم ضده !! حكى بعفوية عن علاقاته مع شخصيات من داخل مركز القرار ، و عن علاقته بالأمير هشام، و غيرها من الأمور.. سألته عن أحوال ابنه الصحفي الجريء ابو بكر الجامعي، فقال بفخر انه يدرس باحدى الجامعات بفرنسا ..

و أذكر أني سألته ذاك السؤال الكبير الذي طرحه لينين قبل اكثر من قرن من الزمن: ما العمل السي خالد في ظل حالة الاختناق السياسي و الازمة الشاملة؟ قال بصراحته المعهودة ان الأحزاب الوطنية التقليدية انتهت، و هناك حاجة لعرض سياسي جديد، و أن أي فعل سياسي منظم يتغيأ التغيير يجب على قادته و مناضليه أن يخاطبوا الملك مباشرة و أن ينزلوا عند الناس و يتبنوا مطالبهم.. سألته لماذا لم يعمد النظام الحالي الى اتخاذ اجراءات في حقك رغم خرجاتك القوية، فأجاب انهم لا يخافون من خالد لأنهم يعرفون أنه بدون حزب، و لو كان لي تنظيم قوي لتعرضت للقمع..

و حدثني أيضا عن علاقته بالأمير هشام، قال إنه صديق له، و شخص محترم و مثقف، لكن خروجه عن التقاليد المخزنية المرعية جعلت الجناح المحافظ في السلطة و هو المخزن الحقيقي الحاكم أقوى منه!

اتفق ضيوفنا على المشي بضع مئات أمتار من بيتي باتجاه دار الشباب، طلب مني المرحوم خالد الجامعي ان ألازمه لظروفه الصحية، أمسك بذراعي متكئا علي طول الطريق، لم يتوقف عن الحديث عن قوة النظام و طغيان الجناح الرجعي الرافض للديمقراطية عليه، و جبن النخب السياسية و فسادها، و أيضا الى أخطاء جيل جديد من النخب المولوية التي وجدت نفسها بالصدفة داخل مركز القرار، فقال مثلا و هو يضحك: تخيل ان مسؤولا كبيرا لا يعرف من هو المرحوم عبد الله ابراهيم! تخيل ان الأمير هشام يتصل بي مازحا انه وضع المليارات في حسابي في بنما، فيقوم امنيون كبار يتنصتون على المكالمات بتصديق هذه المزحة و البحث عن هذا الحساب!! هؤلاء هواة سياسة، لا يجب أن يتواجدوا في هذه المناصب الكبيرة .. يضيف الفقيد ..

كان من المقرر أن نقيم الندوة بدار الشباب، لكن الباشا منع ذلك، و كان قد أرسل لي شخصيا بأيام قرار المنع، وجدنا القاعة مغلقة، حتى الشارع أمامها كان مظلما، فقررنا أن نحول تلك الندوة الى مسيرة، و سرنا جميعا مناضلين و حضور و ضيوف في مسيرة عفوية، بقي الفقيد ممسكا بذراعي، و قررنا القيام بتجمع جماهيري خطابي أمام باشوية الزمامرة احتجاجا على المنع، همس الفقيد ضاحكا في أذني: هاد المخزن كانبو! كان يمكن أن يسمح بإقامة الندوة و الغالب سيكون الحضور ضعيفا و قليل من الناس كان سيعرف بوجودنا حتى! لكن غباء الذين منعوا الندوة جعلهم يساهمون في إنجاحها!… تناوب الضيوف على أخذ الكلمة وسط حضوري جماهيري و حماس كبير في ليلة رمضانية جميلة، مما جعل السلطة تطفئ عمدا الإنارة العمومية! ازدادت الجماهير حماسا على ضوء المصابيح الكهربائية التي تشتغل بالبنزين أحضرها الرفاق مسرعين..

اقترحت في كلمتي باسم التنسيقية المحلية لمناهضة الفساد بالزمامرة على الضيوف ان يساهموا معنا في تأسيس تنسيقية وطنية لمحاربة الفساد و اقترحت من شدة اعجابي و ثقتي بالمرحوم السي خالد أن يكون رئيسا لها وسط استحسان الحضور، مباشرة بعد نهاية كلمتي، قال بكل تواضع و وضوح ان الشباب يجب ان يتحمل مسؤوليته اليوم، و ان النخب القديمة يجب ان ترحل، و انه مستعد لتقديم النصائح، لكنه يصر على أن يتقلد الشباب كل المناصب و المسؤوليات في الدولة و كل المؤسسات الأخرى و خصوصا الأحزاب، و ان المدخل الى التغيير يجب ان يكون بعقليات جديدة و بشباب لم يتلوث بكل امراض النخب التقليدية الفاسدة الخانعة..

بعد نهاية التجمع الجماهيري، أصر الضيوف على الرحيل، اتصل بي في اليوم الموالي، و قال انه يريد مساعدتنا في مجهوداتنا النضالية، و طلب مني أن أكتب له معلومات عن الزمامرة و عن الفساد المتغول فيها و بعض مظاهره … أرسلت له عبر الايميل ما يشبه مقالا بسيطا ذكرت فيه ما تعانيه هذه المدينة من ممارسات اللوبي السياسي العقاري الفاسد و بعض مظاهر فساده، خصوصا العقاري منه مثل فضيحة تجزئة النصر و غيرها…

في المساء نشر مقالا مطولا رائعا ، بأسلوبه الجميل الذي يمزج بين الفصحى و الدارجة، بين السخرية و النقد اللاذع، في موقع بديل الذي يديره المهداوي تحت عنوان: عقلية الكوانب عند المخزن: الزمامرة نموذجا.. كان من أجمل المقالات الصحفية التي قرأت…

وداعا السي خالد الإنسان و المناضل و الصحفي الشريف المبدئي الطيب المتواضع.. رحمك الله و تعازينا الحارة لكل عائلتك و أصدقائك و محبيك..

رابط مختصر